واحد.. اثنان..أربعة انطلق عداد التفكير هذا اليوم.. فقط ليصل بي إلى نتيجة صادمة مفادها أننا نملك الاختيار دائما.. لكنا لا نملك الجرأة... بأي حال من الاحوال وجدت أننا نملك الخيار دائما.لكننا بكل بساطة جبناء جدا، وان أي تفكيرمهما كان بطيئا ما كان ليكون بتلك السهولة بمكان ليولد داخلي شعورا غريبا كالذي أحسسته هذا اليوم.. ثلاثمائة فكرة حقيرة كانت غارقة في غياهب عقلي المكتئب المتشائم..والباحث عن جسر من الأصوات يوصلني لنفسي بكل ذلك الهدوء الذي لا بد وأن يكون على البال.. لكن دون جدوى.. قبل هذا اليوم، لم أجد نفسي.. ببساطة كنت اعرف لكني لم أكن اعرف كيف أجد نفسي وكيف اصنع ذلك الجسر الذي سيوصلني إليها.. قبل هذا اليوم لم أحس بهذا الكم الهائل من الفراغ.. إلى ابعد الحدود وزوايا النظر المحدودة كنت عاجزة بل خائفة من التفكير حتى.. صديقتي الجميلة أسماء.. احسدها كثيرا..احسدها وليس ذلك الحسد الاجتماعي التافه الذي يكون سببه حقد أو غيرة..فأسماء أكبر من أن يغار أو يحسدها احد..وأنا اكبر بكثير من التفكير وسلوك درب اسمه الحسد وما جاوره.. لكني كنت احسدها، أحسدها لان لها القدرة على المسامحة..على إعادة النظر أو ربما كانت لها القدرة على الإيمان..الإيمان القوي بأن الله موجود حتى في أخطائنا الصغيرة ومراسيمنا الكبيرة..الإيمان كان درعا يقيها ألم الانكسار..ببساطة وجدت انه في هذه الحياة لم يكن احد ليستحق حسدي الغبي إلا أسماء.. وهي تحكي لنا عن ألمها وعن حبها لرضوان وعن قناعاتها ودموعها ..لتصل في النهاية وتقول بأن الله يفعل ما يراه صوابا لنا.. هي كانت قوية في أشياء كثيرة ولعلها كانت أقوى لكي تنهي علاقة حبها لرضوان برغم حبها الكبير له والذي اعترضته عائلتها الصغيرة..كانت وما تزال تحبه .. كانت تبكي حين بدأت تحكي عنه.. لكن ما هذا الشيء الذي جعلها تضع قلبها وحبها في كفة وقرار عائلتها في كفة أخرى وترجح الثاني وهي غير مقتنعة إلا بأن هذا الفراق بينها وبين حبيبها كان مقدرا.. فقط كان مقدرا في تلك اللحظة .. هذا الإيمان بكل تلك الأشياء جعلني أعيد التفكير في أمور كثيرة.. واكتشفت أني أكذب على نفسي أكثر من أي احد آخر، أكذب على نفسي في المرآة وأقنعها بأن الطريق التي أسلكها فيها من الصواب أضعاف ما فيها من الخطأ.. لماذا نتمسك بأشياء هي ليست لنا في الأصل؟ كانت أسماء أكبر مني تفكيرا حين بلغ إيمانها أقصى درجات اليقين..ولم يكن يقينها شيئا آخر غير أفكار صداميه مع مجتمع ينفي صباحا ما يقوم به ليلا.. أحسدها لأنها تملك الايميان الذي يجعلها تعيش بحرية لكن بليونة أكبر مع مجتمع متعصب حتى على نفسه، لا يجب أن نكسر كل شيء دفعة واحدة لكن علينا أن نعود أنفسنا على الخروج بأقل الخسائر الممكنة.. آه كم ينقصني الإيمان لكي أعصف بوجه آرائي وأفكاري، فكرت أن هذا الكون يمكن أن يتغير، لكن اكتشفت أني أنا نفسي بحاجة لتغيير، وتفكري مازال بطيئا بطيئا جدا لدرجة أني لا استطيع أن أنسى أو أسامح..لست قاسية ..لكن في القلب أماكن تزداد قسوة وبرودا مع صقيع الوقت.. هذا اليوم..انتهى الوقت..وبعد تفكير عميق وجدت نوعا ما جزءا من الطريق التي علي أن اسلكها.. أحيانا نكون بحاجة إلى قليل من العزلة لكي نتبين الطريق الصحيح باتجاه الخلاص.. قليل من الابتعاد عن الآخرين مهما ادعوا حبهم وإخلاصهم لنا..هذه العزلة تجعلك تشعر بالعجز.. وبأنك لم تكن شيئا قبل أن تصل إلى هنا إلى هذه الخلوة المقدسة، فقط لتكتشف أنه ينقصك الإيمان..هذا الإيمان الذي يجعلك تعفو.. تسامح ..تبكي.. تعيد النظر في أخطائك وتبتعد عنها دون أن تشعر بذلك الندم الذي يجعلك تفكر في الانتحار مثلا..فقط ابتعد عن أخطائك وحاول نسيانها .. كل هذا فقط لنعرف ببساطة أننا لم نكن قريبين من الله بتلك الدرجة من الكفاية التي تضيء لنا طريق التفكير الصحيح حين نخطئ.. أعرف أني حين أخطأ فاني ألجا إلى الله..لكن أحيانا يكون لجوءنا إليه متأخرا جدا..فتعرف انك تأخرت..تأخرت حتى في الإيمان.. لهذا احسد أسماء ..أحسدها لأنها استطاعت أن تتخلى عن رضوان ولم تنسه.. من منا يملك الجرأة ليتخلى عن حب يعرف في قرارة نفسه انه غير مناسب ومع ذلك يستمر في هذا الحب وفي هذه العلاقة؟؟ ومن منا يملك الجرأة على الاختيار؟؟ ومن منا يملك القدرة على المسامحة الكاملة في قرارة نفسه؟؟ أحسدها لأن في قلبي شيئا من الخوف ومن القسوة وشيئا من البرود وشيئا من الحاجة.. كنت دائما والى حد ذلك اليوم أعتقد أني بحاجة إلى الحب، لكن في الواقع.. اكتشفت مدى تفاهتي لأن ما أنا (نحن) بحاجة إليه هو الإيمان..الإيمان وحده هو القناعة الوحيدة في حياة الإنسان وما عداه أوهام وتهيئات وقناعات غير ثايبة وقوانين نكسرها كلما اشتد علينا صداع رأسنا الحجري.. أحسد أسماء ولعلكم لو عرفتموها ستحسدونها مثلي لأني مهما فعلت لن امتلك إيمانها..هذا الايميان الذي يخول لنا أن نقول في وجه الصعاب: لنا رب يحمينا ويتدبر أمورنا.. لنا رب هو أعلم منا بما يكون في صالح عباده وخيرهم وشرهم.. أحسدك صديقتي الجميلة لأنك بكل بساطة مؤمنة وليس لأني كافرة .. لكن برغم أني أحب الله كثيرا.. إلا انه ينقصني كثير من الإيمان..كثير من الإيمان.. ببساطة نملك الاختيار.. لكنا لا نملك الجرأة...

1. توقفت عن شرب الكولا بعد ان عرفت انها قادرة على ازلة بقع الحمامات!
2. لم اعد اذهب الى السينما بسبب خوفي من ان اجلس على كرسي فيه ابره تحتوي على فايروس الايدز
3. قمت ب اعادة ارسال مئات الايميلات طامعا بأن احصل على جهاز كمبيوتر مجاني او هاتف مجاني .. الخ
4. رائحتي اصبحت تشبه رائحة الكلب الميت بعد ان عرفت ان مزيلات العرق تسبب السرطان
5. لم اعد اصف سيارتي في الكراجات و صرت اضطر الى ان امشي احيانا مسافات طويله خوفا من ان يأتي شخص و يرشني بمخدر و يقوم بسرقتي
6. توقفت عن الاجابه على الهاتف خوفا من ان تأتي في فاتورتي مكالمات الى نيجيريا و كوريا الجنوبية وباكستان
7. توقفت عن شرب اي شيء لا يأتي بعلبه مقفله خوفا من ان تحتوي على بول و فضلات الفئران
8. عندما احضر حفله توقفت عن النظر الى اي بنت جميله خوفا من ان تستدرجني الى بيتها و تقوم ب تخديري ثم تأخذ كليتي و كبدي و تتركني نائم في حوض الاستحمام محاط بالثلج
9. صرفت كل مدخراتي الى حساب الطفله " آمي بروس" و هي طفله مريضه بالسرطان اوشكت ان تموت اكثر من 7000 مره .. مسكينه ما زال عمرها 7 سنين منذ عام 1993 ...
10. و اريد ان اعلن اني ما زلت على استعداد ان اساعد اي شخص من نيجريا يريد أن يستخدم حسابي لتحويل املاك عمه او خاله المتوفي و التي تزيد عن 100 مليون دولار
11. أرست 35 ايميل ل 400 شخص آملا من ان شركة اريكسون او نوكيا تبعثلي اجدد الموبايلات لديها مجانا .
12. طلبت مئات الأماني قبل ان اقوم بإعادة ارسال بعض الكلمات و الصور المقدسه .. لكن ما زلت على نفس مكتبي و آخذ نفس الراتب لم يتغير شيء.
13. ارسلت مليون نسخه لمليون حيوان من اصحابي حتى لا يتوقف حسابي مع شركة هوت ميل ويقفلوا لي إيميلي
14. رميت كل العلب والصحون والمعالق البلاستكية لانها تسبب سرطان مما جعل زوجتى تتهمنى بالجنون وطلب الطلاق
15. بطلت اشرب اى نوع من القهوة لانهم يساعدوا اسرائيل وبطلت أكل الشوكلاته ولبان لانها كلها معجونه بدهن الخنزير
16.بعت التلفزيون والتلاجه والغسالة والكمبيوتر وساعتى و كل الاجهزه الامريكية لانهم كلاب يساعدوا اسرائيل .
ملاحظه:
اذا لم تقم بارسال هذا الايميل الى 11,674 شخص خلال عشر ثواني سيأتي ديناصور ليعضك اليوم الساعه 6:30 مساءً
في القلوب زوايا لا تريد أن تأخد صمتها وترحل..

يحدث أن يصير القلب جافا قاحلا.. يرقص بكل هدوء واستكانة على أعتاب الذكريات..
يحدث أن تصير خيباتنا وهزائمنا مشعلا كاذبا لطريق وهمي يقول الآخرون عنه ..هذا هو طريق الخلاص..
وأنا امشي في الزوايا التي لا تصلها عناكب الزمن..اكتشفت فجأة أن لكل الأشياء التي تنمو بعيدا عن الذاكرة تيارات خفية، تلك التيارات التي نمشي ضدها تيمنا بأناس لا يستحقون من الحلم غير الوهم ومن الوهم غير الشتات ومن الشتات غير فضاء فارغ لا يوجد فيه إلا أسماء اختلقوها سهوا تحت ظلام الشمس..
كانت وكنا..كانت كبيرة جدا حين انفجر ذلك القلب المضرج بألف استفسار وهمي عن سبب تواجد ثقب غريب كثقب الاوزن في العقل الصغير....
كنا ..وكنا نتساءل دوما لم كان الحب غيمة بيضاء تحلق وحدها وسط سماء غاضبة ..تكاد تبرق وترعد هزيما لا يهدأ أواره إلا بموت الحلزونات وهي حية ترزق...
هذا الألم، هذا الحزن، هذا العمق في التفكير، من أين للأسنان بكل هذه الأقنعة؟ ومن أين للإنسان بكل هذه الشفافية التي يدعيها حتى مع نفسه؟ من أين للإنسان بكل هذا الحقد والكره والغضب؟ ومن أين للإنسان بهذا الكم الهائل من الإحزان؟؟؟؟؟؟
ومن أين لنا بكل هذه الطاقة على البكاء في زوايا الروح البديلة؟؟
وكيف يمكن لنسمة من ريح الشمال أن تأتي وتغير كل الأحزان التي تكسرت أمواجها على بقايا الشواطئ الميتة يوما؟
من أين للسواد أن يحمل حقيبته ويمضي ..ومن أين للحزن أن يحمل حقيبة بكائه وينصرف...؟؟؟
بقليل من الذكاء..لابد أن يكون هناك يقين وهمي أو حتى شيبه موجود بأن الغد الذي ستسقط فيه الأقنعة كسقوط جدار برلين مازال قائما كجدار صور الصين العظيم...ومازالت أحزاننا العتيقة تنمو في زوايا الزمن الرديء كما ينمو الجدار العازل بين مدن فلسطين...
هذا الصمت الذي يأكل كل الجوانب ويعلن باستحياء أن القوة في الصمت.. وان الحكمة في الصمت.. وأن الصمت صار الرهان الأوحد لكي تدمر كل العلاقات والمفاهيم والأقدار ونحن نتفرج سهوا من ثقب الزمن ونقول ..الصمت حكمة..حكمة من لا حول ولا قوة لهم..
مع مرور الوقت..اكتشف أن الصمت في كل شيء جبن العاجزين ولعنة ضعاف البصر قبل البصيرة..............
من رمادنا تأكل الخناجر التي وعدت أو ربما تعد يوما بشيء اسمه...........سقوط الأقنعة
هنيئا لكل جبناء العالم...الذين يختفون خلف مسمياتهم الوهمية ...
هنيئا لكل الصامتين العظماء باسم الوطن... أعرف أن في قلبي شيئا من وطن مكسور..قدت أطرافه ورميت في سبعة أماكن مختلفة من قلب كل واحد.......حين نعثر على جزء نعتقد أننا عثرنا على الوطن...ولا نعرف أن قلوبنا الصغيرة صارت مقبرة للأوطان............
لا نعرف أن أحزاننا وهزائمنا وخيباتنا هي أشبه بصمت من نحبهم في أشد الأوقات إيلاما وحزنا ..........وموتا.......
الإبداع والتجميد في حكايات من زمن الحب والجليد..
في عمق النسيان.. ثمة ما يستحق ...
لم يكن برترند راسل كاذبا حين قال صدقا أو اعتباطا:
" في كل الأحوال، من الصحي بين الحين والآخر أن تضع علامات استفهام على الأشياء التي كانت ثوابت على المدى الطويل"
حين نتأمل دواخل حياتنا الصغيرة جدا والعميقة كثيرا نجد أن كثيرا من الأشياء لا تستحق فقط علامة استفهام بقدر ما تستحق علامة إلغاء وحذف.. أشياء اعتقدنا على المدى الطويل من عمر حياتنا الهستيري أنها أشياء ذات أهمية، أشياء تستحق ما تستحقه من ذلك الاهتمام، أو حتى أن نخصص لها ذلك الحيز المقدس من خط حياتنا المستقيم...
ولم يكن فيصل الخديدي كاذبا حين قال في تقديمه لمعرضه ثمة ما يستحق:" إن الإنسان متى ما هبت عليه رياح النسيان فإن الأثلجة والتجميد هما البديل لكل ما هو قيم.."
إن الملاحظ والمتفحص لتجارب الفنان فيصل الخديدي والقائمة على عملية التجميد يلاحظ أن ما تم تجميده ليس بالضرورة أشياء تستحق التجميد في واقع معين، لكن بقليل من التمعن نكتشف أن ما يسعى الفنان فيصل إلى تجميده ليس ظواهر الأشياء بقدر بواطنها، هل يحاول تجميد اللحظات السعيدة لكي لا تطير عبر رياح النسيان؟؟ هل يحاول أن يجمد المشاعر الجميلة التي تركها الإنسان تباعا في عالم الصدأ ورحل بعيدا؟؟ أم يحاول بكل بساطة اختراق هذا الواقع اللعين، الغبي ، المستعصي على الإمساك والمنفلت من دائرة البؤساء كما تنفلت الذكريات من الذاكرة في مرحلة عمرية ما؟؟
يحاول فيصل الخديدي من خلال تجربته الجديدة القائمة على عملية التجميد، أن يعكس فكرة أساس مفادها أنه بالفعل ثمة في عالم النسان ما يستحق التجميد بكل ما في التجميد من معنى، من خلال معرضه الشخصي الذي كان مؤخرا تحت عنوان" ثمة ما يستحق"..
يضم معرض "ثمة ما يستحق" أفكارا جديدة، وجميلة، فيها خليط من الاتجاهات التي تحس حين يأخذك النظر إليها أنها لا تعكس إلا صورتك أنت، أو ربما لا تعكس إلا ذلك الجانب من حزنك الذي كنت تفكر طويلا كيف تتخلص منه.. ليأتي فيصل الخديدي بفكرة التجميد لأشياء هي في العمق العميق تستحق التجميد، وعن طريق اللدائن البلاستيكية ومادة بلاستيك يطلق عليها علميا أوفنيا " ريزن" جاءت أعمال فيصل الخديدي معبرة عن كثير مما لا يمكن للنسيان أن يطويه بتلك السهولة والبساطة الممكنة..
**الحفاظ على السعادة في ثلاجة ثمة ما يستحق..
تظم أعمال الخديدي تمردا على مستوى الفكرة، فهو حين يجمد اللعب ويجمد صور الأطفال الصغار وبالضبط صور ولعب أبنائه، نجده يحاول أن يجمد اللحظات الجميلة في الزمن، كي لا تنفلت منه،- من الإنسان بصفة عامة- لأن الإنسان مع مرور الزمن يبقى حنين العودة إلى مراحل طفولته أمرا يرافقه كل عمره.. من هنا يمكن أن نستنتج محاولة فيصل للحفاظ على لحظات عمرية جميلة وتجميدها زمنيا، فنجده يحاول ما أمكن تجميد اللحظات السعيدة كي يعود إليها كل حين، حيث نراه يبقيها عالقة في الزمن وفي الذاكرة لا تمحى ولا تعرف النسيان، وبالتالي فان فيصل الخديدي هنا يعمل على تجميد المستحيل في زمن لا يعرف إلا أن ينطلق بسرعة نحو الأمام متجاوزا بسرعة البرق كل اللحظات الطفولية الجميلة في حياة الإنسان.. تجميد لمرحلة عمرية تستحق الذكرى والحنين.. والمتمعن للأعمال التي تصدح برائحة الطفولة يكتشف أن فيصل يحاول أن يمتلك اللحظة ويمارس عليها عملية أخد معاكسة من الزمن، إنه يحاول أن يبقي ما يملكه ملكا له عن طريق تجميده.. والحفاظ عليه لأطول مدة ممكنة بل وجعله لحظة خالدة ثابتة لا يواريها الزمن بلحظات أخرى، من هنا نكتشف أو ببساطة القول نستنج أنه يعطينا طريقة جديدة لنحافظ على ما نملكه، إنه التفكير الذي يجعل ما نفرح من أجله ملكا لنا، ولذاكرتنا مهما هرب الزمن وحاول جعل ما نملكه منفلتا من هذه الذاكرة.. فثمة ما يستحق التجميد في حياة الإنسان من أجل الإنسان نفسه.. ومن أجل لحظات سعادة قد لا يتبقى الكثير من الوقت حتى للمرور عليها مرور الكرام في عصر السرعة ودموع التماسيح...
**قلوب تحترق برودة...ثمة ما يستحق..
نبض..نبض.."
مازال في العمر نبض
حين تكثر أكوام الركام وأعمدة الغمام علي أن أعلم أن هنالك بعض من نبض السنين يتربع فينا.."
هكذا أخبرني فيصل حين سألته عن شيء ما من سؤال ما في حلقة ما من حلقات التجميد المتوالية..رجل الثلج يحاول جاهدا أن يبحث عن طريقة يجمد بها نفسه.. هنا وجدتني أتساءل بعيدا عن أعين فيصل المتطلعة إلى ما وراء الوراء، كيف يمكن للإنسان أن يجمد نفسه؟؟ لم انتظر الإجابة طويلا لأني وجدتها في بقية أعماله أو بالأحرى في بقية مجمداته، هذه المرة هو لا يجمد الأشياء من أجل أن يحافظ عليها من النسيان، وجدت أنه يجمد ما يجب عليه أن يجمد في قلب الإنسان وحياته، يجمد كل المشاعر الجميلة، هذه التي تحولت إلى ركام تدروه رياح الامبالات.. كيف نجمد قلوبنا الصغيرة ونقول للآخر تعامل كما تشاء فنحن صرنا كما نشاء؟؟ بل كيف وصل فيصل إلى هذه النوع من التجميد؟؟
حين تتمعن من جديد أعماله تجد أنها عالم من المتناقضات المجمدة، المضغوطة في قالب بلاستيكي إما يحميها أو يمنعها، كل عمل بحسب دلالته وأبعاده التي تختلف من وجهة نظر إلى أخرى، في أعماله تجد الحب يقابله الكره والخداع ومشاعر أخرى مبهمة يصورها لنا من خلال العيون المجمدة التي يمكن أن تكون مخادعة أو صادقة، ما يعني بذلك كومة من المشاعر الموقوتة التي تخبئها أعين كالتي اختارها فيصل دالة على المعادلة.. نرى أيضا في مجموعة أعماله المجمدة النسيان مقابل التذكر، في عملية تجميد اللحظات الجميلة لمراحل عمرية من حياة الإنسان، وبالضبط مرحلة الطفولة، ويمكن هنا أن نظيف إليها تجميد أشياء أخرى في مراحل العمر قد لا تشكل بالضرورة جزءا من السعادة، لكنها خلقت بطريقة أو بأخرى لحظات سعادة لذيذة، وهنا يمكن أن أقول أني أتحدت عن تجميد البحوث والرسائل الجامعية بالإضافة إلى تجميد المخطوطات والكتب، فلحظات الدراسة بالرغم من صعوبتها تبقى لحظات يشتاق الإنسان إليها كل حين، أو كلما هم مثلا في عملية بسيطة بتقليب ألبوم الصور الذي يخبأه بإحكام في زوايا ذاكرته المنفلتة.
نجد أيضا في أعمال فيصل الخديدي الحديث مقابل التقليدي في اللوحات التي جمدت فيها لوحات مفاتيح الحواسيب مقابل تجميد الكتب والمخطوطات، حيت عصر التكنولوجيا صار يضغط كل ما هو ورقي بامتياز، نجد أيضا الغموض مقابل البراءة.. الغموض المتمثل في صعوبة معرفة نوايا وبواطن الإنسان، هذا المخلوق الغامض بطبعه وطبيعته، والذي مثله من خلال مجموعة من الأعمال كصورة الجيوكندة لدافنشي، هذه المرأة الخالدة التي لا تعرف إن كانت تبتسم في وجهك أو تحقد عليك، إن كانت تبكي من أجلك أو تبكي من أجل نفسها، إن كانت تنظر إليك أو تنظر إلى غيرك موهمة إياك أنها تنظر إليك....الخ، مجموعة من المشاعر والأحاسيس الغامضة التي اختزلتها هذه اللوحة الشهيرة، ولعله الغموض ذاته الذي يشكل طبيعة الإنسان، حيت يمكننا القول بأن دافنشي قد أفلح في نقله واختزاله بدقة غامضة في لوحة الجوكندة الخالدة.. والذي أفلح فيصل الخديدي في تجميده، محاولا بذلك تجميد مشاعر الإنسان وتصرفاته الغامضة تجاه نفسه وتجاه بني جنسه.. في مقابل البراءة بكل تشكلاتها التي صورها لنا من خلال مرحلة الطفولة و تجميد اللعب والرسومات...
إن المتمعن لتجربة فيصل خالد الخديدي " ثمة ما يستحق"، يجده في كل مجمداته يحاول قدر المستطاع _بل وأفلح في ذلك عن جدارة_ تجميد اللحظات الشعورية، بل وتجميد الحالات الإنسانية، إنه باختصار تجميد المشاعر في لحظات معينة، تجميد الخوف والفرح والبؤس...الخ، كلها حالات إنسانية تستحق التجميد إما لحاجتنا إليها أو لأنها تؤلمنا ويجب التخلص منها بتجميدها، كل شيء في عالم فيصل الخديدي تجاوز المستحيل في عملية التجميد، كل شيء قابل للتجميد مادمت الحياة على الأرض قد تعرضت للتجميد في مرحلة سابقة من مراحل حياتها… وعلى المتمعن لأعمال فيصل الخديدي أن لا يكون متمعنا وقارئا مسرعا بقدر ما يجب عليه أن يكون بقليل من الذكاء سريع الفهم.
وبالتالي نلاحظ أن فيصل جمد شيئا يستحق التجميد في حياة الإنسان، أو بكل بساطة نجد فيصل يحاول أن يوصل عن طريق مجمداته فكرة مفادها أن القلوب الإنسانية تختلف وأن ما يستحق التجميد أيضا يختلف من إنسان إلى آخر شكل تعدد الأفكار والطبائع و الأوجه والمشاعر والأقنعة التي يحب كثير من الناس ارتدائها في الأوقات الخطأ دائما..
في أعمال فيصل نجده جمد أشياء كثيرة كتجميده الأوجه التي تحمل ذلك الحب المقدس، أو الحقد المقدس أو حتى البراءة المقدسة...
فيما يجمده فيصل يدعو المشاهد إلى أن يكون شاهدا ليس فقط ببصره وإنما بأحاسيسه، وأنت حين تلمس أعماله أو حتى تفكر بوضع يدك عليها ينتابك شعور غريب، وكان البرودة سرت في بدنك كله، تجد أن أعمال فيصل تقول ما قاله نتشه يوما: "لا يعجبنا الجيد حين لا نكون في مستواه، لكن بقليل من التمعن نجد أن ما لا يعجبنا في الحقيقة هو السيئ لأننا لا نستطيع أن ننزل إلى مستواه"، هكذا هي أعمال فيصل، تجربة جديدة في عالم الفن، تقول بأن ما لا يعجبنا في الحقيقة إن قسرا أو اعتباطا هو ما يستحق التجميد،
لكن ما يثير الدهشة وما يبدو جميلا في الموضوع أن كل شيء في عالم فيصل الخديدي قابل للتجميد، إن بمادة اللدائن البلاستيكية "الريزن اوفينا" أو بأي طريقة أخرى، فقط لنكتشف أن في عالم هذا الفنان التشكيلي "الحب والجليد".. ثمة ما يستحق الحياة.. ثمة ما يستحق الذكرى، ثمة ما يستحق النسيان.. وثمة ما يستحق الحلم.. هل يمكن أن نجمد أحلامنا الجميلة لنحافظ عليها ونجمد كوابيسنا لننساها أو لأنها فقط تستحق التجميد؟؟؟ ما المانع مادام كل شيء يستحق في عالم "ثمة ما يستحق" ؟؟
في الرمادي لن نستقبل الموتى بالعناق ... شهادة في مسودات الشغب لعبد العاطي جميل بقلم الشاعر الزجال م . نور الدين بن خديجة بالسواد يكتب.. وفي السواد يسود بكلماته . يدين .. يحتج .. يبوح وإن كان الليل أخفى للويل . هو خارج سرب الخفافيش .. لا يريد أن يستبطن فضحا . يقف على حافة الصرخة .. الصرخة التي تشبه اليوم هوة مطمورة مظلمة ، لا يكاد يتبين خيطها الأبيض من الأسود . وفي زماننا لا حد فاصل بين الألوان . فبين الأسود والأبيض هناك الرمادي كما قيل ويقال . والرمادياستخراجمن خمود النار .. الجمر . إنه يكتبمسوداته التي يرفض أن يسميها شعرا ، زمن الرمادي ... " سكن الليل ولم يك ثمة طيف يحمل صفة إنسان ..................... .................... سكن الليل ولم يبرح المكان ولم يك ثمة طيف ولا سيف يحمل وجه إنسان .. " في هذا الرمادي ، يبحث عبثا الشاعر عبد العاطي جميل عن صفة للإنسان . يبحث دون جدوى عن طيف حتى أو سيف يحمل وجه إنسان . في الرمادي يغيب الإنسان .. أو على الأصح يغيب الإنسان . عن هذا التغييب القسري للإنسان تقف لحظة الاستبدال جاثمة على أنفاسنا ورؤيتنا بين الليل والويل حيث ينعدم التمييز ، ويعم وباء عمى الألوان .. الاستبدال كلعبة ذات حكمة بالغة يجلوها الحرف الأول بوضوح بين اللام والواو .. لتقول هذه المسودات ببساطة نحن محاصرون بين الليل والويل أو أكثرتدقيقا نحن قابعون في الليل والويل . نحن في الرمادي نقف بالضبط ، نقف على إحساس بالجمر يلهب أقدامنا ولا جمر . ننظر أفقا يكاد أو ربما يكاد أن ينفرج عن ضوء باهث خافت ولا ضوء سوى ما يشبه السواد المائل للرمادي . إنها حيرة جيل كامل .. شعوب كاملة .. فلا فرق بين عجمي وعربي إلا بالإحساس . وتبصر اليوتوبيا اليوم يذب بجمهور الحالمين في عاصفة الرماد .. فالحساسية الشعرية الجديدة حين تلامس البدائل الممكنة اليوم .. ولكي لا تشيع للأمل الزائف ولا لترويج الشعر أصدقه أكذبه ، ولكي تكون صادقة بالفعل .. تدمر الثنائية كمقولات مثالية سرعان ما يرتد عنها الواقع لتتحول إلى لغط إيديولوجي أو فاشية قاهرة لإرادة الإنسان في التبصر بحرية الحواس . إلا أنالمسودات رغم إقرارها بالرمادي .. بالحيرة .. بالقطع مع التبشيرية .. تعمل جاهدة على تبديد هذه الحيرة تحتج على تبليد الإحساس الإنساني بالإنسان .. إنها تقف متساوقة كما قلت على جمر خامد متمسكة بالتزام إنساني للمسودة .. دون أن يكون الالتزام هنا دعوة للكمال .. للمثال .. حذار المسودة هنا كمفهوم دليل على اللااكتمال .. على الكناشة كنقيض للكتاب الذي ارتبط بالمقدس . ولكن أمام الحيرة في معرفة الآتي لا تنفض يدها عن آلام الناس وأحلامهم . لا ترتد إلى الذات وأمراضها كما تحبل به بعض الكتابات الحديثة اليوم .. إنها لازالت متمسكة بأعلام السادة الكبار للقرن العشرين .. الذين لن نستطيع نسيانهم .. الذين وثقوا بالإنسان بمستقبله في عصر قال عنه كارل ماركس ؛ " ما يمز الحقبة البورجوازية عن كل الحقب السابقة ، أنها تقلب دون انقطاع جميع الظروف الاجتماعية وتديم انعدام اليقين والاضطراب . " ... أيها السادة الكبار " بابلو نيرودا .. لوركا .. ناظم حكمت .. مظفر النواب .. جاك بريفر .. ماياكوفسكي ..، الجميلي لا يريد أن ينزل الراية من ساحة الميدان .. والمصارعون يتساقطون الواحد تلو الآخر .. استعطفوه أن يخمد قليلا وسط الرمادي الذي هو زمننا بكل تأكيد . اسمعوه .. ها هو بالسواد ثانية يتساءل ؛ " هل أشاغب وحدي كي أشيد لي وطنا من حروف شداد ؟ " ... هذهالمسودات هي تدوين لشغب الجميلي على كناش الوجود . ولم لا ؟ .. فالشعر ليس شعرا إن لم يكن شغبا .الشغب مبدأ الإحساس .. الشغب نهاية التبليد .. وهنا بالضبط نلتقي كشعراء رغم اختلافاتنا واختلاف الأرض التي نقف عليها . سواء حملنا راية أو نكسناها .. سواء بكينا وسط الرمادي أو ضحكنا وأضحكنا .. سواء لخبطنا اللغة ولغزنا المعنى .. سواء بددنا المعنى وحرقنااليوتوبيا .. سواء التفتنا إلى اليوتوبيا والجماهير أو اعتبرناهما وهما .. القصيدة أحبائي الشعراء تبقى وتظل شغبا مستمرا إلى أن يثبت الوجود وجوده ، والإنسان إنسانيته .. ومن لم يشاغب في أمور عديدة يعش أبد الدهر بين الحفر عذرا لزهير بن أبي سلمى وحكمته المتأنية والرصينة ولأبي القاسم الشابي وثورته العارمة التي فجرت قلبه دون أن تفجر أعداءه .. عذرا لكما عن هذه الوقاحة المتعمدة مني عن هذا الشغب الدنيء الذي أحدث الحادثة وصفق لها حين صادم بين الحكمة والثورة .. بين ثورة الطبيعة على الإنسان زمن الأجداد وثورة الإنسان على الطبيعة عهد الأحفاد .. إن حدوث الحادثة يقع بالضبط هنا حين تصطدم الحكمة بالثورة .. إن حدوث الحادثة ينطلق من مثوى الشغب كنقيض للانضباط .. للنظام .. للصف داخل المدرسة .. للبطاقة داخل الحزب .. إن الحداثة .. الحساسية الجديدة هي الحادثة المجلجلة التي ننتظرها بلهفة .. هي الزلزال الذي ننذر به لنصلي الزغاريد ونصرخ في أول بيان لنا ؛ " أبدا لن نستقبل الموتى بالعناق .. " مراكش ـ غشت 1998
حين تعرف في كل الأوقات أن بعض الثوابت لا يجب اتخاذها قواعد على المدى البعيد، فإنه بقليل من التفكير نكتشف أن بعض الأشياء في حياتنا لا تكون كلها اعتباطية.. و أن كل تلك الأشياء القصوى التي مرت بنا يوما ما هي إلا أشياء مقصودة في حياتنا، كل الأشياء الغبية التي تقع يوما وحتى التي وقعت يوما ما هي إلا أشياء..قلنا في الزمن العابر سهوا أنها أشياء عادية جدا..عادية بكل بساطة، الأمور تكون معقدة في اللحظات الحرجة دائما، تماما كالحب، الحب شيء معقد في حياتنا الجميلة جدا للأسف، أشياء نهرطق بها طيلة الوقت، في حين ننسى أن الحب أصبح كلمة معادة، تكرر كل يوم بمناسبة أو بدون.. علما أن كلمة حب تصير مبتذلة حين يتقاسمها الجميع.. البساطة في الشيء، كيف نبقي على ذكرى من نحبهم؟؟ على ذكرى من تركوا بصماتهم الجميلة في حياتنا ورحلوا أو سيرحلون قريبا؟؟ كيف تخفي تلك الدمعة اللعينة المنفلتة كمداد زئبقي غريب الأطوار.. لا يختفي إلا إذا انكسر إطاره؟ هكذا بكل بساطة سيرحل فيصل، ومحمد وحمدان وفهد ومريم وليلى وإيمان ... وكل الأصدقاء الآخرين، لكن الأكثر إيلاما أن تعتاد على أحد ما أنت تعرف أنك مفارقه إلى أجل غير مسمى....لما تكون تلك الأشياء الغريبة واللعينة في حياتنا مقصودة دائما، الحنين والشوق والألم والفراق وحتى ما يمكن أن تسميه تلك الطائفة الغربية الحب............... شيء من ........... مقابل أشياء من............... الفراغ اللعين يملأ كل الأوقات وكل الأمكنة حتى لتغدوا شمعا أو جرانيتا أو حتى صحونا طائرة لا اتجاهات معينة تحدها، أو بكل بساطة آلة من المسامير التي تقطعت أوصالها على شفا جرف من الوهم............... أسطورة الحجر: لا يكون الحجر صادما ولكنه يكون قاتلا في أغلب الأوقات، الغريب في الأمر أن الطبيعة تنتج الأسلحة البيضاء بالمجان، والغريب أيضاَ في الأمر أن القانون الذي خلقه الإنسان هذا الفاني العاصي يعاقب على استخدام الأسلحة البيضاء، لو علم كل نحات أنه يشكل أسلحة بيضاء بإمكانها أن تجهز عليه قبل أن تجهز على أي كان في رمشة عين؟؟؟؟ هل سيكتفي فقط بالنحت؟؟ أم يغير بعض الثوابت؟؟ الأكيد أن "محمد"يعرف كيف يتعامل جيدا مع الحجر، أو كما يقول الجرانيت، مزرعته الجميلة جدا والتي لم أراها بعد توحي بأنها جنة من الأسلحة البيضاء، أشياء لا يعرف استخدماها وتطويعها إلا فنان غيره.... عرض طيلة أيام الملتقى الدولي الأول للفنون التشكيلية وغن الفوتوغراف بمكناس منحوتته الجميلة، حين التقيتهم في المطار كانت موضوعة بعلبة مغلقة بإحكام كبير، كتب عليها: قابل للكسر، المصيبة أن المغاربة أناس يفهمون بعض الأشياء بالمقلوب، لهذا قال فهد بأنهم يجربونها كي يعرفوا إن كانت صالحة للكسر أم لا !! هذا فقط للتأكد من الأمر.. جميلة جدا مسائل المغاربة لتشجيع السياحة في بلد جميل كالمغرب، القطارات فيه مفصولة إلى نصفين والركاب أشبه بسردين مكدس في الزوايا التي لا يجب أن يقف فيها إنسان.... فليعذرنا هؤلاء الأصدقاء على القطار المفصول والبرد الكثير والدقائق الطويلة من الانتظار، ماذا أقول، مادمت جئت إلى المغرب فلا تستغرب، الحمد لله أن المنحوتة ظلت بخير............... شمع... أو ما يشبه الشمع.. ثمة ما يستحق !!! لا احد ينتبه إلى الشمعة أو حتى يبحث عنها إلا وقت الإضاءة أو وقت انقطاع الكهرباء في بلد لا ينقطع فيها الكهرباء إلا في الوقت الذي يعرض فيه فلمك المفضل...الغريب في الأمر أن الشمعة حين تختفي لا أحد يتذكر أبدا أن هذا المكان أنارته شمعة ما، لا يهم كم يساوي ثمنها لكنها كانت هنا، مرت من هنا، أضاءت هذا المكان، كل الأمكنة التي تضيئها الشموع تكون مقدسة دائما شئنا ذلك أم أبينا حتى لو كانت الأمور القصوى المصاحبة لهذه الإضاءة غير صادقة، لكنها الشمعة وحدها تحترق في سكون، في صمت، وتلك الدموع التي نزلت ونزلت و.................. اختفت، تماما كالأشخاص الذين يختفون في الأوقات الحرجة من وقت عمرنا المترهل، أغبياء.........لهذا كان فيصل يلعب جيدا بكل الأشياء التي يجعلها تبدو وكأنها تعرضت لعملية تجميد خطيرة جدا داخل ثلاجة لا اعلم تاريخ صنعها بالضبط، أو حتى إن كانت مستوردة أو صناعة محلية، لكن الجميل في الأمر أني رأيت شيئا جديدا لم يكن لي علم به، أشياء وأشياء مجمدة بخليط من السمح والبلاستيك وووو، جمد عيون غزلان، وجمد لوحة الجو كندة، وجمد الحواسيب والأسلاك ولعب الأطفال وصور ميهاف ونواف.... الأمر الأروع أنه جمد شيئا يستحق التجميد في حياة الإنسان، أن تجمد رسائلك وبحوتك الجامعية أمر يدعو إلى السخرية، تلك السخرية التي لا تجلب معها إلا السخرية..................ربما لهذا جمد فيصل رسائله الجامعية.. أنا أيضا أريد أن أجمد بحثي وأجمد نفسي وأجمد أفكاري، وملابسي وأشيائي وإغراضي، لالالالا.. ربما لا نحتاج في حياتنا اللعينة هذه إلا لتجميد قلوبنا الصغيرة، القلب يحتاج إلى أن يكون مجمدا في أوقات كثيرة غلب على أصحابها ذلك الضعف الغريب، في حين ينسبون كل شيء إلى الشيطان.........آه لو كان الشيطان يعرف الحب لاختفى الشر كله.. أو ربما لان الآخرين حين يتعاملون معك في ظروف تحتاجهم فيها يضعون قلوبهم وعقولهم الغبية في تلاجه وأنت تحترق......لهذا أعجبني كثيرا ما فعله فيصل بكل الأشياء التي تستحق في العمق العميق من حياتنا أن تجمد بكل قساوة.........والأكيد المؤكد أن فكرة تجميد القلوب هذه تستحق أكثر من فيصل لكي يستطيع أن يجمد كل تلك القلوب التي كانت في يوم من الأيام تعتقد أن الطيبة هي الشعور الوحيد في خزان قلب الإنسان...... حكاية مسامــــير.... لم أكن أؤمن أن للجماد حكايات إنسانية مريرة، أو ببساطة لم أكن أتوقع أن يمسخ الإنسان نفسه ومشاعره لتحول بكل بساطة إلى........مسمار... شخص ليس من هنا، من بلد آخر ودولة أخرى ومسافة بعييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييدة جدا أنسن كل المسامير التي لا يمكن أن يؤنسنها إلا شاب مثله، من وجع القلب يولد الإبداع، لا أعلم إن كان الوجع في قلب فهد قد ولد كل هذا الإبداع الجميل وكل هذا الغضب، ولد وفجر كل هذه الأشياء الجميلة، لكني أومن أن الوجع القاسي يمكنه أن يأتي بما لا يأتي به أي شيء أخر، يذكرني فهد بمحمد شكري في تعامله مع وجعه وألمه... عدا عن أن الأوجاع مختلفة هنا ...الإبداع الجميل يأتي من الأنامل الخشنة حتى لو كانت نسائية، رايته ذلك اليوم يتأمل، كان يتأمل أي شيء يصادفه، يبحث عن زاوية أجمل لالتقاط صورة مناسبة، كالليل الذي لا يعرف سكونه إلا عيون مائلة باتجاه السواد ومتناقضات تخنق كل الأفاق المحتملة.... حين تتأمل وجه فهد، هذا الفتى البعيد عن الواقع والموغل حد الجنون في عالم لا يعرف معالمه إلا المجانين، عشاق الوهم والتغيير الذي لن يأتي أبدا، أولئك الكارهين حد الموت لحياة بئيسة تقيدها أساطير الأولين، ما يؤمنون به صباحا يحدفونه ليلا...... هرطقات عن الأخلاق والحب والإخلاص والصدق و الصداقة.... وأشياء كثيرة كنا نؤمن بها قبل أن يؤكل الثور الأبيض بيومين تقريبا، لكن فهد علم أن كل مبادئنا وأشيائنا أكلت يوم أكل الثور الأبيض، هكذا بكل بساطة جاءت أعماله الجميلة مكسرة أشلاءا من طي النسيان وشفاه وأوجه بلا ملامح وبلا هويات لأناس لا يوجدون إلا في الحلم، ذلك الحلم البعيد عنا ألف مسافة وألف ميل ضوئي، في عيونه لا يوجد حد للحزن، ولا يوجد حد للفرح، ولا توجد إلا ملامح ابتسامة مقبورة، وليس هناك أقسى من اختفاء الابتسامة التي كانت موجودة، وأعدمت في أوقات لاحقة من زمن رديء أكل عليه الآخرون وشربوا وذهبوا دون أن يقولوا حتى سلاما.... هكذا كان فهد وهكذا ظهرت آلته الموسيقية التي تقطعت أوصالها سهوا في عقر زمن لا وجود له، لكن البقايا التي مازالت تطبع وجهه البريء، شيء من الفرح الغافي، وأشياء أخرى اختفت بفعل فاعل ملعون، لهذا يكون حالنا مرفوعا وأفعالنا منصوبة في الأوقات المضغوطة من خط حياتنا المنعرج..هكذا كان فهد، حاله مرفوع وفعله منصوب.. لكن في كثير من الأحيان أو حتى الأوقات التي التقيت فيها بفهد لم يكن من المستحيل أن اعرف أن هناك شيئا مستحيلا في عيون هذا الشاب، لم تكن هناك أي لعنة في الحياة بقدر تلك اللعنة التي تأتيننا بغتة وعلى حين غرة..طعنة من الخلف وألف طعنة من الأمام.. يال السخرية -الفن هو أن ينتبه الفنان إلى الأشياء التي أهملها الآخرون..يعطيها قيمة بعد أن فقدت قيمتها .. هكذا أجاب بأعين متطلعة إلى زوايا وخلفيات وأعماق وأفكار تحجرت على المدى البعيد في أذهان الناس... الناس الذين اختفوا تباعا...وتركوا ترسبات أفكارهم النتنة أعرافا تدير مجتمعات تصلي صباحا وتندس في حانات المدينة السفلية ليلا.. تركوا ألف عقدة لعينة في منشار الحياة.. فقط لكي نضيع في عالم لا نعرف منه غير الوهم....وشيء اسمه الممنوع من الصرف !!! طاش ما طاش عشر طاش: أحببت كثيرا ذلك المسلسل الخليجي الذي كان ومازال مستمرا بأجزائه التي تزداد سوءا مع مرور المدة: طاش ما طاش، كان في أيامه الأولى شيئا جميلا، لكني لم أعتقد في أي يوم من أيام حياتي المثالية طبعا أني سألتقي بطاش ما طاش عشرطاش مباشرة.. وجها لوجه، كان اللقاء في يوم من أيام مارس، هي أيام الملتقى الدولى للفنون التشكيلية وفن الفوتوغراف، اللقاء كان متعبا جدا، لم يهدا حتى ونحن قادمون من مطار فاس باتجاه مدينة مكناس عن طريق القطار الذي كاد أن ينقسم إلى قسمين غير متساويين طبعا،لولا رحمة ربي... ضحك قليل، معاني أكثر، ووصولا إلى حمق وجنون لا حد لهما في عالم لم أعد أعرف منه غير الجنون الجميل، معنى أن يكون هناك ضحك من القلب، ضحك خالص بمعنى الكلمة في عالم لم نعد نعرف منه غير اللؤم، لكني طيلة أسبوع كامل ضحكت بما يكفي، اشعر أني ضحكت كما لم اضحك سابقا، عمر بأكمله من الضحك والصور الغربية من الأستاذ "ديليت"، الكل أصيب بنزلة حمق رائعة، صور هنا وحمق هناك، كان الأستاذ "حمدان طاش ما طاش عشر طاش" يجري من هنا إلى هناك، يلتقط الصور الغربية، أعرف أن كل الأشياء الغربية يحتفظ بها التاريخ استثناءا تلك الصور العادية أو حتى التي يمكن أن تقول فيها لمن تود أن تلتقط له صورة انظر إلي، وعيناك في عدسة المصورة.. هو لا يمكن أن تأتي عينه مباشرة في عدسة المصورة والمصور بالطريقة الصحيحة، دائما هناك خلل ما، الأكيد ليس في المصور والأكيد المؤكد أنه ليس أيضا في الوقت ولا في الزمن، لكن حمدان كان يخلق لنفسه عالما خاصا، عالما من الأشياء الغربية والمريبة والبعيدة عن تصور عقل الإنسان العاقل، خذوا الحكمة من أفواه المجانين، كل مجنون عاقل لكن بشروط لا يعرفها إلا هو، تبا للعقلاء في عالم نكون فيه مجانين على هوانا وعلى رغبتنا وكيفما نشاء، ذهبنا هنا، في باب منصور مئات من الصور، في المتحف كل الرموز التي تشير إلى الاتجاهات الصحيحة تجاوزناها وعكستاها بكل بساطة، الجميل في الأمر أن نكسر كل القواعد التي ليست من صنع الخالق عز وجل، القوانين وجدت لتكسر، لا وجود لقانون في عالم الجنون والغرابة........ حمق هنا، ضريح المولى حمدان المحارب ولي من أولياء الفن الصالحين في متحف مدينة مكناس مازال قائما حتى لو عمل الاستاد ديليت ديليت لكل الصور التي جلسنا نلتقطها اليوم بأكمله، أزيد من مائة صورة وصورتين..ربما أكثر، من يدري، خمن أنت أيها القارئ العزيز كم صورة يمكن أن يلتقطها مجانين مهووسون بالتصوير وهم لا يمارسونه، أي أن ما عرضوه من أعمال في متحف باب منصور كان لوحات وأشياء صنعت بطريقة يدوية، كالمعدن والصحون الطائرة التي لا اتجاهات محددة لها، وآلات موسيقية كسرها غضب وظلم وجبروت الزمن... في الحقيقة كاذب من يقول إن الصمت يكون البلاغة الوحيدة في المواقف الحرجة، لكن المجانين وحدهم أمثال حمدان وأمثالي يعرفون أن الصمت لا يكون البلاغة الأكبر في مواقف الحمق والجنون المتعددة. شيء واحد لم أكن أعرفه في الأستاذ طاش ما طاش عشرطاش، أنه مازال يعيش في حقبة اللقلاق الذي رأيناه في مدينة وليلي، حيت وصفه ب ساتيليت من عهد الرومان..لم أعرف أن حمدان مازال يعيش في عصر الهوائيات بلا ماسنجر.. اعتقد أن في الأمر شيء من حمدان..وليس شيء من إن...... ربما كانت الزيارة خاطفة، أو حتى كان الأمل مسرعا، من هنا مر الجنون، من هنا مرت السعادة، ومن هنا مرت الابتسامة، أعجب كيف يمكن للمرء أن يخلق من بعض لحظات التعاسة والبؤس أوقات يبسم فيها، لم أكن أعرف كيف أبتسم في أوقات لاحقة، كل الضغوط تجعلك تغير تلك الثوابت والمعتقدات الفاشلة التي تقنع نفسك بها في ظروف حرجة جدا.... لكن حمدان هذا لم يعد له طائر واحد في عقله، كل ما تبقى لديه من طيور حلقت مع الحمام الزاجل يوم افتتاح المعرض.... في المنزل الذي أقاموا فيه طيلة أيام الملتقى، كان الجو جميلا جدا، الكل اندهش لهذا التمازج الغريب والائتلاف العجيب الذي وقع، ضحك ولعب ومقالب وصور هنا وهناك للأشخاص والأشياء والجمادات، رائعة هذه الأيام وما تبقى منها، ليس اللوم على الزمن، وليس اللوم على أي شيء آخر، اللوم على قلوبنا الصغيرة التي مازلت تبكي عندما تحين لحظات الوداع اللعينة، الأشياء الجميلة وحدها تقاوم النسيان، والأكيد أن حمدان بأشيائه الجميلة وتلك الصور المجنونة التي التقطناها جميعا وبالأخص تلك التي التقطها لنا جميعا هي مستحيلة النسيان، المحزن في الموضوع كله أن الحنون ابتعد اليوم وانتهي عالم الحمق الذي خلقناه طيلة أسبوع كامل، غادر الأحبة بعيدا، هل سنراهم من جديد؟؟ ستختفي الصور الحمقاء والبعيدة وتطير في طيارة يوم الثلاثاء، وكم من الوقت باقي لتلتقي أعيننا من جديد؟؟ نص للشاعر حسن ملوكي على هامش الفصول الأربعة: لذكريات الأحبة...الذين رحلوا وتركوا في القلب شيئا من حتى.... عندما تشق فاس ذكراك أم راسي وعندما يزرع طيفك المر في كاسي\ وعندما أرددك حين أصبح وحين أمسي أسالك عنك وعني ترني اسأل نفسي نفسي شاقها الشوق إلى أحضان هاجرة كأنني الوكر ارقب أسراب الطيور المهاجرة في كننه عهد لا أضنك له إلا ذاكرة مضى زمان والوكر لا تنفع ريح الرياح العابرة عهدك روض وللوجد فيه نسيم عليل حواء على دين ادم فأين ما مال تميل وكل ما يسر أدم عند حواء جميل مالت الأيام علينا جميعا تم مالت الأيام وملنا.. ثم اهتدينا للرحيل
بقايا قصص.. كان ألبرت كاموس صادقا جدا حين قال: لا تثق بأصدقائك عندما يطلبون منك أن تكون أميناً معهم.. كل ما يريدونه هو أن تبقى محتفظاً برأيك الحسن عنهم. لكن إلى متى نبقى محتفظين بآرائنا عن آخرين لا يستحقونها أبدا؟ أشياء أوهمونا بها في زوايا الزمن، وجعلونا نصدقها بكل برود وتكتم، لكن في الواقع ألا يبدو الأمر وكأننا تافهون جدا أمام هؤلاء الذين يجبروننا في شبه عملية تنويم مغناطيسي على أن نقول لهم دائما: أنتم رائعون جدا؟؟ أنتم الأجمل، أنتم الأبهى، دمتم متألقين، نحن نحبكم... أو كما أقول أنا دائما.. محبتي.... !! الحقيقة أن هناك كثيرا من البشر الذين يدخلون طبعا في خانة الأصدقاء لا يستحقون أي مفردة شكر أو حتى حب أو حتى تحية.. كما نقول بطريقتنا المغربية: حرام فيهم حتى السلام... لا أعتقد أن أي أحد سأل نفسه يوما كم شخصا يعرفه لا يستحق التحية، كما لا يستحق الأشياء الأخرى؟ الأمر ليس بديهيا وليس طبيعيا وليس عاديا، الأمر بسيط جدا، ما علينا فعله هو أن نتعلم عملية التجاهل.. وليس هناك من يعلمنا إياها غير أصدقائنا وأحبائنا أو بباسطة كل أولئك الذين شكرناهم يوما وأشدنا بتصرفاتهم وكنا أمناء جدا معهم.. في حين أنهم كانوا فقط يريدوننا أن نحتفظ برأينا الحسن عنهم !!! فيروز....... لم أصدق فيروز يوما وهي تغني في حزن وتبكي حبيبها الذي غادر دون استئذان: سألوني الناس عنك يا حبيبي كتبو المكاتيب وأخذها الهوى بعز علي غني يا حبيبي.. ولأول مرة ما بنكون سوى أو حين تغني أيضا: بعدك على بالي، دون أن تسال حبيبها الوهمي بعدي على بالك... والله غريبة هي الدنيا.. تسير دائما في الاتجاه المعاكس، وفي عمليات الحب الوهمية دائما يكون الرجل هاربا.. إما باتجاه أحظان امرأة أخرى، أو باتجاه شيء مجهول أو فقط لأنه مل من الجسد الذي يوجد أمامه، أو ربما لأن الأدمغة الرجالية العربية والمغربية بصفة خاصة تهرطق بالحداثة صباحا وتؤمن حد الموت مساءا بأن البكارة هي الرمز الوحيد للطهر والعفاف !! يجب أن لا تفاجأ النساء بتاريخ الحب الذي صار مليئا بالمقابر..كل مقبرة تحمل شاهدة منذ أمد بعيد.. لولا الحب في جوانحه.... كم يوحي بالخيانة هذا البيت الشعري. .. خالي سيتزوج اليوم من إحداهن، يعني كما يقول المغاربة الواعرين بزاف: بنت دارهم، والتي رآها تشتري الزريعة، هكذا بكل بساطة داس على حبه الكبير لأمل، تلك التي كان معها لأزيد من سنتين، في الواقع أنا لا ألوم خالي، ولا أشجعه أيضا على فعلته، ولهذا لم أذهب إلى خطبته أول يوم أمس، لكني ألوم أمل، نعم ألومها لأنها صدقت هرطقات رجل مثله، كل الرجال يهرطقون على النساء الصادقات معهن ويعتبرونهن مجرد أيام تسلية لا يهم كم ستدوم.. المهم أن يتسلى الرجل وفي النهاية يستقر مع أي فتاة تشتري الزريعة أو حتى ورق المرحاض..من يدري ومن يريد حتى أن يدري، لكن خالي كان أكثر دراية بما فعله !! و للآن مازلت أستغرب كيف لم يخبرها منذ أول يوم أنه لا يفعل شيئا بها سوى تمضية الوقت، بل لا أعلم حقا لم أخبرها بكل حقارة أنه لا يفكر في الزواج أبدا !!؟؟...هذا خالي طبعا.. والله أعلم بأحوال عباده..طبعا الرجال منهم !!! لم أكن أعرف أن كريمة الحسناء المتمرسة تسكن في الحي المجاور لي إلا بعد أن التقيتها تشتري علب البيرة من مرجان المدينة.. لم تكن تعرف أني أيضا أسكن في الحي نفسه رغم أننا نرتاد الكلية نفسها ونركب الحافلة المتسخة نفسها، وندرس عند الأستاذ المكبوت نفسه، لكني اليوم حين التقيتها كنت أركب سيارتي أل"كات كات" المفضلة عندي، وأنا لم أكن من هواة البريستيج الفارغ، لهذا كنت أذهب إلى الجامعة في الحافلة، ربما لكي لا يعرف أحد أني أملك "كات كات" ويصيبني حسد أعين لا تجيد سوى الحسد على كل شيء مهما كان تافها.. لم أعتقد أن كريمة ستكون حاسدة، فقد أوصلتها ذلك اليوم ولم أخبر أحدا أني التقيتها تشتري علب البيرة.. لكنها في المقابل وعوض أن تشكرني على التوصيلة أوصلت كل ما قلته لصديقها المكبوت، في البداية لم نكن نصدق أن كريمة هذه تعاشر أي شخص من الممكن أن يوصلها إلى قمة من القمم حتى لو كانت وهمية، لكني أشك أنها تستمتع برفقته..المكبوت والحسناء.. نذالــــــــــــة... هل من الممكن أن يتحول الحب إلى نذالة؟؟ أو أن يتحول أي شيء آخر إلى نذالة؟ لكن التصرفات يمكنها أن تتحول إلى نذالة، هذه النذالة التي تصبح بمرور الوقت عاهة مستديمة.. لكني أوقن حتى هذه اللحظة أن كثيرا من الأشياء أصبحت نذالة.. في عالمنا الجميل المصبوغ بألف طلاء لامع يخفي آلاف العيوب، أصحبت النذالة كنزا لا يفنى.. نذالة في الحب، نذالة في التصرفات، نذالة في الصداقة، نذالة في الكذب، نذالة في الصدق....... حتى أن هناك بعضا من بني البشر لا يملكون الجرأة ليقولوا باختصار أنهم كانوا يكذبون كل الوقت في حياتهم…
لا تنمو مع الريح سوى الذاكرة... في كل الأحوال، من الصحي بين الحين والآخر أن تضع علاماتاستفهام على الأشياء التي كانت ثوابت على المدى الطويل. في الأفق القريب لم يكن ما يسكننا دائما هو ما يمكن أن يكون الحقيقة المتجلية، شيء من الوهم مقابل شيء من الخداع، وشيء من لاشيء مقابل أشياء من لاشيء، وفي كل مرة نكتشف فيها أن كل حساباتنا كانت خاطئة مند البداية، أن تلك العمليات التي قمنا بها فقط لنتمكن من العيش لحظات تنتمي إلى السعادة ما هي إلا فكرة خاطئة تماما كالعقول التي فكرت فيها، ونكتشف أيضا أنا لم نكن سوى نسرق أشياء ليست ملكا لنا طيلة كل ذلك الوقت...ويمر الوقت .. يمر لنتأكد كل يوم أن السعادة الحقيقية ليست من حقنا يوما، وحتى إمكانية أن نحلم بها فهي أيضا لاغيه حين ينسف الآخر أي احتمال متوقع بها..ويمر الوقت ..تحس أن عمرا فاتك وأنت تحلم..أو تتخيل أو حتى تعيش لحظات من فلم غبي تعرضه قناتك المفضلة، فلا تنتبه إلا متأخرا أن كل ما عشته في تلك اللحظات كان وهما وشيئا خاليا من أي حقائق أو حتى منطق مجرد، المنطق قانون مجرد من العاطفة، ربما لهذا تدمع عيوننا ونحن نشاهد تلك الأفلام التي ربما نبحث فيها عن شيء ما يشبهنا وسط كل ذلك الركام العنيد.. نبحث عن شيء ربما ليقول لنا أن ما فكرنا فيه وما سكننا طويلا لم يكن غير أحداث من فلم سيمر مرور الكرام..هكذا وبكل بساطة.. كما يختفي كل من تحبهم فجأة ودون سابق اندار، ولا يتركون خلف اختفائهم هذا سوى مبررات غريبة تشبه تلك المبررات التي تقدمها لك الشركة التي تزودك بالكهرباء حين ينقطع وأنت تشاهد فلمك المفضل.... لكن الريح تزيد من عمق ذاكرتنا الصغيرة، في كل ليلة تهمس الريح وتعيد للذكرى كل ذكرياتها، كيف يُطلب منك النسيان..النسيان عدو للذاكرة.. لم لا نحاول أن ننسى النسيان؟ لم فقط يطلب منا النسيان والابتعاد بكل بساطة؟ ولم تكون أحلامنا التي في مكمن ضعف دائما في الأوقات الخاطئة وتجاه الأشخاص الخاطئين؟ لم لا نستطيع فقط النسيان؟؟ اليوم وأنا اقتني جريدتي المفضلة، سمعت إحداهن تتحدث بأعلى صوتها في الهاتف قائلة لمحدثها أن من بدأت في حبه طلب منها الابتعاد عنه لا لسبب معين، كيف يقول لي بكل وقاحة: لتاخد مشاعرنا فترة استراحة؟؟؟ تساءلت: غريب جدا، هل مشاعر الحب تاخد هي الأخرى استراحة؟ كيف يمكن للمشاعر أن تستريح من نفسها؟ اللهم فقط إن لم تكن مشاعر حب وكانت شيئا آخر يذهب مع الريح.. وكيف يمكن للقلب أن يبتعد؟ وخمنت إما أن هذا الرجل لا يحبها إطلاقا وكل ما كان يسكنهما يوما لم يكن شيئا بقدر ما كان مجرد انتصار رجولي آخر يحققه بابتعاده عنها، وإما انه يعاني من مشكلة نفسية أو ما شابه... صارت المشاعر عادية جدا وتافهة في عملية الحب، وكأن هذا الرجل يجعل مشاعره في ثلاجة كلما سخن الجو عليه..أو ربما فقط لأنه لم يحبها يوما، وكل كلمات الحب و المشاعر كانت أيضا جزءا من فلم هندي مدبلج إلى لغتنا الدارجة.. الحياة أصبحت مسرحا مقرفا تنتهك فيه حرمات القلوب.. أحلامنا صارت ممنوعة من الصرف، وبلا عنوان... نحلم لذاتنا ولذاتنا وكاذب كل من يقول انه تألم من اجلنا يوما أو انه سيتألم من اجلنا يوما.. اكره الخريف واكره الريح التي تحمل معها كل أحلامنا الصغيرة باتجاه المجهول، احسد الممثلين الذي يمثلون خيباتنا وهزائمنا في الواقع فقط ليضحكوا علينا ونحن نبكي على أنفسنا في المرايا المسطحة.. واشك، اشك أن كل ما سكننا يوما كان مجرد أوهام خلقتها حاجتنا الملحة إلى.............ذلك الوهم اللذيذ الذي يسمونه الحب...وهل يمكن لقصص الحب الأسطورية أن تقول لنا العكس حتى لو انتهت كلها بمأساة؟؟ وسيبقى الشك قائما، حين يضل الشك عدو اليقين في حياة لا تعرف من الحب إلا الوهم............فليمارس كل الأحبة المزيفون ما يسكنهم من أوهام... وليختاروا الصمت وهم يحترقون ويعرفون أنه لن يكون البلاغة الأكبر في مواقف حبهم الحرجة...










